بوصلة الاقتصاد العالمي تتجه للرياض – أخبار السعودية – كورا نيو

نجحت العاصمة الرياض، خلال فترة وجيزة، في إدارة بوصلة الاقتصاد العالمي نحوها من خلال استقطاب أكثر من 616 مقراً إقليمياً لشركات عالمية، ورفع عدد المصانع إلى ما يتجاوز 12 ألف مصنع باستثمارات صناعية بلغت 1.2 تريليون ريال، لتتحوّل من مدينة جاذبة للاستثمار إلى مركز إقليمي لصناعة القرار والتنمية، فلم يعد التحوّل الذي تشهده الرياض محصوراً في الأرقام والاستثمارات، بل بات ملمساً في سوق العمل، ونوعية الفرص، وثقل القرار الاقتصادي
وكشف مختصون لـ«عكاظ»، أن هذا الزخم الاستثماري، مرشح لأن ينعكس على توليد ما بين 400 و600 ألف وظيفة جديدة، معظمها وظائف نوعية، ما يعزّز مكانة الرياض عاصمةً للفرص الاقتصادية ومحركاً رئيسياً لنمو الوظائف في المنطقة
تلبية الرغبات
أستاذ الإدارة والأعمال بجامعة الطائف الدكتور جمعان الزهراني، قال لـ«عكاظ»:
في ضوء رؤية 2030 تشهد المملكة خصوصاً العاصمة الرياض، قفزات نوعية أبرزتها كثقل اقتصادي مميّز في المنطقة والعالم، فأصبحت وجهة الشركات والمصانع والمستثمرين من جميع أنحاء العالم. وأضاف: تعد الرياض من أنشط وأكبر المدن اقتصادياً، كونها اليوم تشكل أكبر قدرة شرائية في المنطقة ما يرفع حجم الطلب على منتجات الشركات والمصانع، ونظراً للثقة في الاقتصاد السعودي أصبحت السعودية وجهة مثالية للشركات والاستثمارات العالمية، إضافة لرغبتها في أن تكون قريبة من الشريحة الأكبر من عملائها لتلبية رغباتهم وحاجاتهم بشكل أفضل وأسرع.
وأكد الزهراني، أن تواجد هذه الشركات والمصانع له أثر إيجابي في استقطاب المزيد من الاستثمارات وزيادة النمو الاقتصادي والناتج المحلي وإضافة العديد من الفرص والإسهام في تنويع مصادر الدخل وتعزيز مكانة السوق السعودية ونقل الخبرات والمهارات والتكنولوجيا والمعرفة إليها.
الاستقرار المالي
أستاذ الاقتصاديات المساعد الدكتور بدر سالم البدراني، قال لـ«عكاظ»: إن ما حقّقته الرياض في الفترة الأخيرة يمثل نقلة نوعية كبيرة، على مستوى الشرق الأوسط بأكمله، إذ أصبحت مركزاً جاذباً للاستثمارات العالمية واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات يعكس تدفقات رأسمالية مستقرة وطويلة الأمد، وهذه المقرات ستوجد وظائف نوعية عالية المهارة، وترفع الطلب على الخدمات المالية، القانونية، التقنية، والاستشارية، ما ينعكس إيجاباً على نمو الناتج المحلي غير النفطي، الذي سجل نمواً قوياً بنسبة تصل إلى 4.7% في النصف الأول من 2025م، وتجاوز عدد المصانع في المملكة 12 ألف مصنع، مع استثمارات صناعية تراكمية تجاوزت 1.2 تريليون ريال منذ إطلاق رؤية 2030، يؤكد أن النمو إنتاجي حقيقي ومستدام، وليس قائماً على الخدمات فقط. ويلفت الدكتور البدراني، إلى أن الصناعة تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد حديث، إذ تبني سلاسل قيمة محلية، تقلل الاعتماد على الواردات، وتعزز الصادرات غير النفطية (التي بلغت مستويات قياسية)، وترفع القدرة التنافسية الإقليمية، مبيناً أن تحول الرياض إلى مركز مالي وصناعي إقليمي رئيسي يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمنطقة بشكل جذري، ووجود مركز قوي ومستقر يجذب الشركات العالمية، ويخلق «محرك نمو إقليمي» فعالاً، إذ تستفيد دول الجوار أولاً من زيادة حركة التجارة وتكامل سلاسل الإمداد ثانياً ومن نقل المعرفة والخبرات الإدارية والتقنية عبر الحدود، وتحفيز المنافسة الإيجابية ثالثاً؛ مما يدفع الدول المجاورة لتطوير بيئاتها الاستثمارية وتحسين تشريعاتها.
حماية الاستثمار
البدراني أشار إلى أن النمو في الرياض امتد تأثيره الإيجابي إلى العواصم والأسواق المجاورة، ما يعزز الاستقرار الاقتصادي الإقليمي ككل، إضافة إلى تمكين القطاع الخاص ليصبح شريكاً أساسياً في التنمية، من خلال حوافز وحماية الاستثمار، وإيجاد فرص عمل مستدامة ونوعية للشباب السعودي، مع التركيز على التدريب والتوطين. وأضاف أن هذا النهج ينعكس مباشرة على الاستقرار، في رفع مستوى المعيشة، وقوة في الاقتصاد الوطني على المدى الطويل، ودعم أهداف الاستدامة البيئية والاجتماعية، مضيفاً أن المرحلة القادمة لا تقل أهمية عن مرحلة الجذب الأولية، في الحفاظ على جودة البيئة التنظيمية، وسرعة اتخاذ القرارات، وتسهيل الإجراءات للحفاظ على الزخم، والاستثمار المكثف والمستمر في رأس المال البشري، من خلال برامج التعليم والتدريب المتقدمة، إذ إن المقرات والمصانع لا تنجح دون كفاءات محلية قوية ومؤهلة، والتركيز على الابتكار، البحث والتطوير، والصناعات ذات القيمة المضافة العالية (مثل التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي)، بدلاً من التوسع الكمي فقط، مبيّناً أنه إذا نجحت الرياض في تجاوز هذه التحديات، فإنها لن تكون مجرد مركز مالي وصناعي للشرق الأوسط، بل ستكون نموذجاً تنموياً رائداً يُحتذى به عالمياً في الاقتصادات الناشئة، يجمع بين النمو السريع والاستدامة طويلة الأمد.
الوضوح التشريعي
المحامي والكاتب فراس طرابلسي، قال لـ«عكاظ»: في هذا الإطار، إن وزارة العدل كانت على قدر المرحلة والمسؤولية، ضمن رؤية ولي العهد، التي جعلت من ترسيخ كفاءة المؤسسات، وإعلاء شأن العدالة، وسيادة القانون، أساساً لبناء بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة.وهو فارق يلمسه الممارسون القانونيون عند المقارنة بين مراحل سابقة من التقاضي، وما أصبح عليه اليوم من انضباط إجرائي، وسرعة في الفصل، ووضوح في المسارات النظامية، لا سيما في المنازعات التجارية والإدارية ذات الصلة المباشرة بالاستثمار، وقد أسهم صدور نظام المعاملات المدنية في إحداث نقلة نوعية في هذا السياق، من خلال توحيد المفاهيم الأساسية للعقود والالتزامات والمسؤولية المدنية، وتقليص مساحة التباين في التكييف القضائي، بما عزز قابلية التنبؤ بالأحكام، ورفع مستوى اليقين القانوني لدى المتعاملين في السوق، وأضاف طرابلسي، أن هذا الوضوح التشريعي انعكس مباشرة على عمل القضاء التجاري، وجعل بيئة التعاقد أكثر استقرار للمستثمرين، ولفت فراس طرابلسي إلى أن هذا التحوّل انعكس عملياً في أدوات إجرائية أحدثت فارقاً جوهرياً في البيئة العدلية، من أبرزها منصة ناجز، التي نقلت التعاملات القضائية من نماذج معقدة وبطيئة إلى مسار رقمي مباشر، مكّن الأطراف من إدارة قضاياهم، وإصدار الوكالات، ومتابعة الإجراءات بكفاءة عالية، بعد أن كانت هذه الخطوات تمثل عبئاً إجرائياً على المستثمرين، وأوضح أنه على مستوى القضاء التجاري، بوصفه قضاءً مختصاً بطبيعته بنظر المنازعات التجارية، فقد شهد تطوراً استثنائياً وملموساً في سرعة الفصل، وتوحيد المبادئ القضائية، ورفع كفاءة المعالجات الأمثل المعمول بها قضائياً، بما عزز الثقة في منظومة التقاضي وحدَّ من المخاطر المرتبطة بعدم وضوح مخرجات القضاء، وفيما يخص جانب التنفيذ، قال طرابلسي، إنه قد أسهم تمكين محاكم التنفيذ، وتسريع إجراءات إنفاذ الأحكام، وربطها بأنظمة إلكترونية متقدمة، في تحويل الحكم القضائي من مجرد نص نظامي إلى أداة حماية فعلية للحقوق، وهو عنصر جوهري في أي بيئة تسعى لأن تكون مركزاً مالياً و إقليمياً.
فرصة لتشكيل السوق
خبير الموارد البشرية زياد السليس أكد لـ«عكاظ»:أن التحوّل الاقتصادي، الذي تشهده مدينة الرياض، يمثل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل سوق العمل السعودية وليس فقط توسيعها، وأوضح السليس أن هذه المؤشرات، وبالاستناد إلى اتجاهات بيانات وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والمرصد الوطني للعمل، والهيئة العامة للإحصاء، وتقديرات وزارة الاقتصاد والتخطيط، تشير إلى أن القطاع الخاص في الرياض مرشح لتوليد ما بين 400 إلى 600 ألف وظيفة جديدة خلال الفترة القريبة القادمة. وأضاف أن الأثر الحقيقي لهذا النمو يتوقف على كيفية تفاعل سياسات التوطين ونطاقات مع هذا الزخم الاستثماري، مبيناً أن نطاقات لم يعد أداة تنظيمية فقط، بل أصبح أداة اقتصادية لتوجيه نوعية الوظائف التي تُخلق، ومستوى الأجور، ومعدلات الإنتاجية. وبيّن السليس أن التقديرات الواقعية تشير إلى أن ما بين 30% إلى 40% من الوظائف الجديدة مرشحة لأن تكون وظائف توطين نوعية للسعوديين، في حال استمر التركيز على توطين المهن القيادية والمتخصصة، وربط نسب التوطين بمستوى الأجر وليس العدد فقط، وتحفيز الاستقرار الوظيفي ورفع الإنتاجية، وهو ما يعادل تقريباً 120 إلى 240 ألف وظيفة للسعوديين خلال المرحلة القادمة، وأشار السليس إلى أن المقرات الإقليمية، خصوصاً، تخلق وظائف ذات معدلات توطين مرتفعة بطبيعتها، تشمل الإدارة العليا والحوكمة، الموارد البشرية والتحول التنظيمي، الشؤون القانونية والامتثال، المالية والتخطيط، التقنية وإدارة البيانات، وأضاف أن سياسات نطاقات الحالية، خصوصاً المرتبطة بالأجور والامتثال، تدفع الشركات تلقائياً إلى الاستثمار في الموظف السعودي كخيار اقتصادي مجدٍ، وليس فقط التزاماً تنظيمياً. وفيما يخص القطاع الصناعي، أوضح السليس أن توسع المصانع لا يعني بالضرورة زيادة وظائف منخفضة المهارة، بل يفتح المجال لوظائف تشغيل متقدّمة كالهندسة الصناعية، والصيانة الذكية، وإدارة سلاسل الإمداد.
تسريع المواءمات
وأكد السليس أن التحدي الرئيسي يتمثل في تسريع مواءمة مخرجات التعليم والتدريب مع متطلبات نطاقات الجديدة، محذراً من أن أي فجوة بين سرعة خلق الوظائف وسرعة تأهيل السعوديين ستؤدي إلى ضغط على نسب التوطين، وارتفاع تكاليف الامتثال، وانخفاض الكفاءة الاقتصادية. مؤكداً أن نجاح تجربة الرياض عاصمةً اقتصاديةً إقليميةً يعتمد على الانتقال من توطين كمي إلى توطين نوعي، إذ تكون الإنتاجية، والأجر، والاستدامة الوظيفية هي المحركات الرئيسية، وليس فقط تحقيق النسب.
صناعة الإعلام
المحاضرة في قسم الإعلام بجامعة الطائف الدكتورة عزيزة مخضور الحارثي، قالت لـ«عكاظ»: إن استقطاب هذا العدد الكبير من الشركات ساهم في ترسيخ صورة الرياض مركزاً مالياً عالميّاً مؤثراً، لا سوقاً جاذبة للاستثمار فحسب، بل منصة لصناعة القرار الاقتصادي. وأضافت الدكتورة الحارثي: إن الرياض انتقلت مع هذا الجذب إلى مراكز التخطيط والإدارة والتمويل لشركات ومصانع كبرى، ما عمّق بنيتها المالية ورفع كفاءة أسواقها، وخلق منظومة متكاملة من الخدمات المتخصصة. وأشارت الدكتورة الحارثي إلى أنه بهذا دخلت الرياض منافسة مباشرة مع العواصم المالية العالمية، ويدعم ذلك البيئة التنظيمية المحفزة، والبنية التحتية المتقدمة، والتكامل الواضح بين السياسات الاقتصادية والرؤية التنموية طويلة المدى. وأكدت أنه لم يكن الإعلام شاهداً على التحوّل فحسب، بل كان مهندساً لمعناه العميق، وفاعلاً في تحقق ذلك، فقد أسهم في نقل صورة الرياض من مدينة تستقبل رؤوس الأموال، إلى مدينة تُصدر الأفكار والنماذج وقصص النجاح الاستثمارية، وحين ربط الإعلام بين تنامي القطاع الصناعي وتوطين القرار الاقتصادي، أعاد تشكيل الخريطة الذهنية للرياض لدى المستثمرين، فهي مدينة لا تسأل ماذا نستورد، بل ماذا يمكن أن نُنجز ونُصدر معاً. وهنا يتحوّل الإعلام من ناقل خبر إلى صانع ثقة لدى المستثمر وصانع مستقبل للاقتصاد الوطني والعالمي.
المصدر : وكالات



