أخبار العالم

«ألا لا يجهلن أحدٌ علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلينا» – أخبار السعودية – كورا نيو



في المعلقات الكبرى، ارتفعت أصوات الشعراء لا لتروي مشاعر فردية فحسب، بل لتصوغ ميثاق القبيلة وقوانين الكرامة.

ومن بين تلك الأصوات يصدح صوت عمرو بن كلثوم في بيته الشهير:

«ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا».

هذا البيت لم يُكتب ليزيّن السطور، بل ليُرسم على صفحة الذاكرة الجمعية للعرب، إعلاناً صريحاً: لسنا من يبدأ بالعدوان، ولكن إن بدأ غيرنا بالجهل والاعتداء، فلن يجد منا إلا رداً أشدّ وأقوى.

والجهل في لسان العرب آنذاك ليس سفاهةً محضة، بل غلظة وحدة واندفاع في الفعل.

حين قال عمرو بن كلثوم هذا البيت، كان يخاطب خصومه بلغة القبيلة: «لا تختبروا حلمنا، فإننا إذا اضطررتمونا للردّ، جئنا بما يفوق فعلكم».

إنها معادلة القوة التي تحفظ للقبيلة هيبتها بين العرب: السلم خيارنا ما دام الآخرون يحفظون الكرامة، أما إذا انتهكها جاهل، فإن الردّ لن يكون بمثل فعله فقط، بل بأعظم منه، وبذلك تحوّل البيت إلى رمز للكبرياء العربي: لا نعتدي، لكننا لا نقبل أن نُستَضعف.

اليوم، وبعد قرون طويلة، نجد صدى هذا البيت يتردّد في شخصية المواطن السعودي، فالمواطن ليس مجرد فرد يعيش في وطنه، بل هو وارث لتراث طويل من الفخر والإباء، يرى نفسه خط الدفاع الأول عن وطنه وقيمه، ويشعر أن كرامته الشخصية من كرامة بلاده، وأن أي اعتداء عليها كأنه اعتداء على بيته وأهله.

فإذا حاول عدوّ أو حاقد أن ينال من الوطن أو يشوّه صورته، فإن المواطن لا يقف متفرجاً، بل يتقدّم بموقفه وكلمته مستحضراً معنى البيت القديم: إن جهلتم علينا، فلن نقابل جهلكم بصمت، بل بردٍّ أعظم يحفظ العزّة ويصون الكرامة.

قديماً كان الردّ بالسيف والرماح، أما اليوم فإن المواطن السعودي يدافع عن وطنه بأدوات جديدة: بقلمه، بكلمته، بحضوره الواعي في الإعلام، وبانتمائه الصادق في قنوات التواصل الاجتماعي. إن كل تغريدة صادقة، وكل موقف شجاع، وكل ردّ مدروس على حملة مشبوهة، هو صورة حديثة لذلك البيت الجاهلي.

المواطن هنا لا ينجرّ إلى جهلٍ مساوٍ لجهل المعتدي، بل يترجم المعنى الأصيل: أن الردّ يجب أن يكون أقوى وأعلى وأشدّ تأثيراً.

فإن كان الجاهل يصرخ بالصخب، فإن المواطن يردّ بالمنطق والوعي والإيمان.

وإن كان العدو يفتري بالأكاذيب، فإن المواطن يقابله بالحقائق التي تُخرسه.

بيت عمرو بن كلثوم يذكّرنا بأن الكرامة تبدأ من الفرد، ثم تمتد إلى الجماعة. فالمواطن السعودي حين يذود عن وطنه، إنما يذود عن نفسه أولاً، لأن الوطن مرآة الفرد، وكرامة الأمة انعكاس لكرامة أبنائها.

ولذلك ترى المواطن في كل ساحة يدرك أن صوته لا يمثله وحده، بل يمثل صورة وطن بأسره.

فإذا دافع، دافع بعزة، و إذا ردّ، ردّ بكرامة، و إذا صبر، صبر بحلم الكبار. لكنه أيضاً يعلم أن الحلم لا يعني الاستسلام، وأن الصبر لا يعني التفريط، فإذا استُثير كان رده أكبر من الاستفزاز ذاته.

قد يظن البعض أن بيتاً جاهلياً قيل قبل أكثر من ألف وخمسمائة عام لا صلة له بعصرنا الرقمي، لكن الحقيقة أن معانيه خالدة.

ففي الأمس كان العربي يقول: «لن نُهان بلا ردّ»، واليوم يقول المواطن السعودي المعاصر المعنى ذاته، وإن اختلفت الأدوات.

فالبيت يعيش اليوم في المواقف اليومية للمواطن: في دفاعه عن وطنه حين يُهاجَم إعلامياً، في غيرته على رموزه حين تُشوَّه صورهم، في وقوفه الصادق مع أبناء وطنه في وجه الحملات المغرضة، إنها روح واحدة تتجدد: لا تظنوا أن صمتنا ضعف، ولا أن حلمنا غفلة، فإذا تجاوزتم حدودكم وجدتمونا أشدّ مما توقّعتم.

وهكذا يظل بيت عمرو بن كلثوم درساً باقياً.. لا يبدأ المواطن بالعدوان، لكنه لا يقبل أن يُستباح وطنه.

هو إنسان مسالم كريم، لكنه إذا استُفزّ في دينه أو وطنه أو عرضه، صار صوته سوطاً وموقفه عظيماً، يقول للعالم بلسان فصيح:

«ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا».

أخبار ذات صلة

 


المصدر : وكالات

كورا نيو

أهلا بكم في موقع كورا نيو، يمكنكم التواصل معنا عبر الواتس اب اسفل الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى